صرخة الشعب المغربي




سجل معنا وأعلن عن صرختك عاش الشعب


صرخة الشعب المغربي | Le Cri des Marocains | The Screaming of Moroccans
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ثـــــــــورة المفاهيـــــــــم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hhicham



عدد المساهمات : 18
العمر : 35
الموقع : بروكسيل

24062011
مُساهمةثـــــــــورة المفاهيـــــــــم

ثـــــــــورة المفاهيـــــــــم

من أعقد وأخطر المشكلات المطروحة للنقاش اليوم في الساحة المغربية قضية هوية الدولة، بين مصر على اجترار نموذج الدولة الوطنية العلمانية الفاشلة التي قامت بعد الإستقلال، ومنادي بإحياء الدولة الإسلامية التيوقراطية، ومطالب بالدولة القومية العنصرية، وحالم بالدولة المدنية العقلانية.

فما هي جذور هذه الأزمة؟ وما الفرق بين مختلف هذه النماذج الإسمية؟ وكيف عالج مشروع الدستور المغربي الممنوح إشكالية الهوية سطحيا باللجوء إلى لعبة الكلمات المتقاطعة؟

من الصعب معالجة قضية هوية الدولة في أبعادها المختلفة بشكل شامل، والجواب على الأسئلة التي طرحناها أعلاه من خلال هذه الورقة المقتضبة. لذلك، سنحاول ملامسة الموضوع بشكل مختصر ومبسط قدر الإمكان لتقريب الصورة إلى القارئ، خاصة لجهة تعريف بعض المصطلحات المتداولة والوقوف على حقيقة معانيها وتراكيبها ومدى انسجامها مع تطلعات مختلف مكونات المجتمع المغربي السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية، لاعتقادنا أن الثورة الناجحة تبدأ من تغيير المفاهيم قبل الدساتير والبنيات والأشخاص.

فالدولة مثلا، لها تعريفات اجتماعية وفلسفية عديدة لا مجال للخوض فيها هنا، لكن ما يهمنا بالأساس هو التعريف التقني السياسي المتفق عليه كونيا، والمتساوق مع طبيعة ووظيفة الدولة الوطنية القائمة على أرض الواقع، لا الدولة الطوباوية التي تبشر بها النظريات الاجتماعية والفلسفية، والقائل بأن: " الدولة هي كيان اصطناعي مكون من مجموع أدوات عقلنة الحياة الوطنية بهدف توفير الجهد ورفع الإنتاج المادي والذهني لخدمة المجتمع " وفق تعريف الدكتور عبد الله العروي. ومعلوم أن أدوات الدولة المنتجة هي الإدارة (بكل مكوناتها)، التعليم، الإقتصاد، الجيش. وبهذا المعني تكون الدولة في خدمة المواطن وليس العكس.

لكنك إذا أضفنا كلمة "إسلام" إلى كلمة "دولة"، نحصل على التركيبة التالية "الدولة الإسلامية". وبالبحث في مفهوم "الإسلام" انطلاقا من القرآن باعتباره النص المؤسس الأول، نكتشف أن الإسلام ليس دينا جديدا جاء به الرسول محمد (ص) حصريا، كما هو سائد في اعتقاد العامة نتيجة لما تروج له ثقافة القبور، بل الإسلام وفق التعريف القرآني هو الدين الذي أنزله الله للعالمين من نوح صعودا إلى محمد هبوطا، مرورا بإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الرسل والأنبياء مما نعلم ولا نعلم عليهم الصلاة والسلام جميعا. وهذا الدين وفق واضعه يقوم على أسس ثلاث: الإيمان بالله الواحد الأحد، الإيمان باليوم الآخر، العمل الصالح. وأكد تعالى أن كل من آمن بهذه الأركان الثلاث بغض النظر عن عرقه أو ملته أو الرسالة التي يؤمن بها سيكون من الناجين لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وبالتالي، فلا علاقة للأركان الخمسة بمفهوم الإسلام كما يروج لذلك حراس العقيدة، باعتبار أن الأركان من مقتضيات الإيمان بنص القرآن. هذا هو التعريف القرآني الوحيد الذي حدده صاحب الأمر لدينه. وهو تعريف لا يتفق مع المفاهيم الإيديولوجية التي يروج لها الكهنة القدامى والجدد على حد سواء. كما أن الله، وخلافا للسائد من مفاهيم، لم يقل أنه أنزل أديانا مختلفة (يهودية ونصرانية وإسلام) بل تحدث عن رسالات بعدد الأمم والرسل لنفس الدين الذي عرفه لنا باسم الإسلام. أما عدد الأديان، فيؤكد القرآن أن هناك دينين فقط لا أكثر، دين من يؤمن بالله ودين من يكفر به لا غير (سورة الكافرون). والدين بهذا المفهوم يرتبط بالفطرة وبحرية الإنسان في ما يعتقده دون ضغط أو إكراه لقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، و قوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) إن الله غني عن العالمين. وفي ما يتعلق بالمسؤولية، فقد جعلها الله ذاتية فردية لا مؤسسية معنوية اعتبارية ومعنوية، على أساس أن كل إنسان سيحاسب على أفعاله وتصرفاته بشكل شخصي ولا يأخذ أحد بذنب أحد، وهو المعني الذي يستفاد من قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة)، أو بتعبير العامة "كل شاة كتعلق من كوارعها".

ووفق ما سبق ذكره من معاني، فإننا بالحديث عن "الدولة الإسلامية" نكون أمام مصطلح غريب، هو عبارة عن تركيب كيميائي معقد لمصطلح اجتماعي سياسي وآخر ديني تعبدي، للدلالة من الناحية النظرية علي أن الدولة الإجتماعية هي في طبيعتها دينية، تستلهم من الشريعة كل سياساتها وقوانينها ومناهجها وآليات عملها. لكن قراءتنا المتأنية للواقع، تأكد أن الظواهر الخارجية التي نعايشها في مجتمعنا هي خارجة عن الوعي ومنفلتة من سلطة الدين، بل ومتعارضة مع القيم الأخلاقية والإجتماعية والثقافية التي نؤمن بها كمسلمين نتيجة ما ترسب في وعينا من موروث. وبعبارة أكثر وضوحا، نكتشف أن هناك فرق جوهري بين الدين كنظرية أخلاقية اجتماعية، وبين الواقع كنتاج للممارسة السياسية الرسمية التي تتبناها الدولة في مختلف مجالات عملها. ولمواجهة هذه الإشكالية العويصة، هناك من يرفض شرعية المشاكل الواقعية التي نعيشها، ويري أنها وليدة سوء تطبيق الدين في السياسة، ويقترح شعارا طوبويا مفاده "الإسلام هو الحل"، وهو كما يبدو من كيميائه، تعبير يقول كل شيء نظريا دون أن يعني أي شيء في أرض الواقع. لأن الذي يسوق لمثل هذا الشعار يعتقد أن الحل الأمثل يكمن في تدمير الدولة القائمة وإعادة بنائها على ضوء تجربة دولة الخلافة الراشدة، ويحكم على المجتمع بالكفر ويوصمه بالجاهلية الأولى، وهو طرح إيديولوجي سطحي يسعى إلى رفض الواقع وتشويهه بسبب عدم قدرته على فهمه وابتداع الحلول الخلاقة لمعالجته من جهة، وبسبب سوء فهمه للدين واختزاله في تجربة السلف الصالح حصريا دون سواها من التجارب الإنسانية من جهة أخرى.

لن نعود هنا لتكرار ما سبق و قلناه في مقالتنا على هذا الموقع "الدين في خدمة السياسة"، حول قضية الدولة في الإسلام وماهية جوهر الرسالة الإلهية الثورية التي بشر بها الرسل أقوامهم.. فقد أشرنا إلى أن الرسول (ص) لم يأتي لإقامة "دولة دينية" لأن الله تعالى قال له: (وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل)، وأنه (ص) رفض الملك والمال والجاه الذي عرض عليه من قبل قريش، وذهب أبعد من ذلك بتحديهم أن يضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره على أن يتنازل عن رسالته، وفضل أن يهلك دونها. وقلنا أن الرسل بعثوا لأمرين لا ثالث لهما.. الأول: تذكير العباد بعهد الله الذي عقد في عالم الذر (عالم الأرواح النورانية) قبل الوجود المحدث، حيث طبع الله هذا العهد في جينات عباده (الفطرة)، حتى لا ينسوا أو يكونوا من الغافلين، بعد أن شهدوا جميعا على أنفسهم أمام الله بربوبية لهم (ألست بربكم؟ قالوا بلى)، وبذلك أصبح الدين حاجة بيولوجية في أصل الخلق لا حاجة ثقافية كما يعتقد بعض العلمانيين. والثاني: انتزاع القداسة من كل ملك يقول أنه مقدس وإعادتها لصاحبها الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله. وشرحنا معنى شعار "الله أكبر" الذي رفعه الرسول (ص)، وهو شعار يعني ببساطة، أنه لا سلطة يمكن أن ترتفع علي سلطة الله، ولا سلطان حقيقي لأحد علي أحد، ولا اعتراف بسلطة إلا لله الواحد الأحد، ولا عبودية لغير الله، وهذا يعني باختصار نزع الشرعية الدينية نهائيا عن أي سلطة زمنية، بما في ذلك سلطة الملك اللاهوتية، لأنها نوع من أنواع الرهبنة التي تقف حاجزا بين العبد وربه. وخلصنا إلى نتيجة نهائية، حتمية وصاعقة مفادها: استحالة التعايش والتساكن بين الدين والدولة، وقلنا أنه من الثابت تاريخيا، أن كل من حاول تدجين الدين في خدمة السياسة، إلا وارتد عليه الدين نفسه، فأنهى ملكه ومحق حكمه، وأوضحنا أن الخلافة المسماة بالراشدة لم تكن راشدة حقا كما يعتقد، لأنها لم تطبق مفهوم الشورى القرآني كما أمر به تعالى، وهذا لا ينقص من فضل الصحابة رضوان الله عليهم، بل يوضح حقيقة طبيعتهم البشرية وحدود فهمهم للدين والدنيا ليس إلا، لأن عكس هذا القول يعني أن القرآن تحول في عهدهم إلى نص مغلق غير قابل للتفسير والاجتهاد، وهو ما يتعارض مع إيماننا بأنه نص مفتوح صالح لكل زمان ومكان.

لكن ما يهمنا هنا هو الإشارة الي أن هذا النوع من التركيب اللغوي السحري الذي يقترح ضم الدين للدولة لتصبح هذه الأخيرة "دولة إسلامية" يعد فاسدا لغويا كذلك، ولا يستقيم كمصطلح من حيث المبنى والمعنى. هذا الكلام يعني أن الدولة لا دين ولا مذهب لها، لأنها ككيان اصطناعي اعتباري لا نفس ولا روح ولا شعور ولا إحساس لها، فهي لا تعبد الله، ولن تحاسب يوم القيامة، بل هي فقط نتاج عقد اجتماعي يمثل إرادة الناس في اختيار طرق ووسائل تسيير شؤونهم العامة، وتقرير مصيره ومستقبل عيالهم في الدنيا، وضمان حريتهم في التنقل والرأي والتعبير والاعتقاد والممارسة الدينية دون إكراه أو وصاية، ما دام الدين لله والوطن للجميع، والله تعالي يقول لرسوله الكريم (ص): (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). وهو ما يعني أن الله تعالي لا يقبل مثل هذا النوع من الإيمان المنافق المؤسس علي الإكراه بأدوات الدولة بتاتا، لأن الإسلام يقدس الحرية ويمقت الإكراه والرهبنة التي تسعى إلى السيطرة على عقول الناس وقلوبهم بهدف تدحينهم باسم الدين. ولهذا السبب بالذات فشلت الكنيسة المسيحية في المحافظة على الأتباع وقامت الثورة ضدها كمؤسسة كهنوتية، ولم تكن الثورة موجهة ضد الدين كاعتقاد حر وإيمان خاص يقوم بين العبد وربه كما يعتقد بعض المحللين الإسلاميين. من هنا يمكن فهم الأسباب الحقيقية التي حدت بحزب عصابة آل الفاسي وحزب المهرج بن كيران إلى التشبث بهوية "الدولة الإسلامية" في مشروع الدستور الجديد الذي تخلى عن الهوية المدنية لصالح الهوية الدينية خوفا من أن يسقط الدستور برمته في امتحان الاستفتاء، لأن تفكيك هذا المفهوم الاصطلاحي وإعادة تفسيره على ضوء حقائق القرآن لطرد الجهل من عقول الناس، ينزع عن هذين الحزبين اليمينيين الشرعية الدينية التي يستدران بها تعاطف العامة، ويضرب مشروعهما السياسي من جذورها. كما يؤكد لم لا يزال لديه أدنى شك، أن الملك يسير بسرعة أقل من سرعة شعبه، وهو الذي قال لجريدة "البلد" الإسبانية عقب اعتلائه العرش في شأن الإصلاحات التي يعتزم القيام بها ما مفاده: أنه لا يستطيع السير بسرعة أكبر من سرعة شعبه.

وإذا أضفنا كلمة "وطنية" إلى كلمة "دولة"، فسنحصل على مصطلح اجتماعي وسياسي جغرافي يقول "الدولة الوطنية" أي "الدولة القطرية". لأن مفهوم "الوطنية" مفهوم جغرافي خاص جدا، استوردته النخب المحلية في العالم العربي بعد الاستقلال الترابي من الثقافة السياسية الغربية، ورسخته في الوعي الفردي والجمعي عن طريق برامج التربية والتعليم، وهو ما يعني أن الإستقلال حصل بالنسبة للأرض المستعمرة لكنه لم يطل السيادة بمفهومها الجوهري المتمثل في استقلال القرار في كل المجالات. فمفهوم "الدولة الوطنية" يحيلنا مباشرة على معنى "الدولة القطرية"، والتي تعني فيما تعنيه، القطع مع نموذج الدولة الإمبراطورية الإسلامية الاستبدادية المتمثلة في "الخلافة"، وبناء الدولة العلمانية الحديثة وفق النظم البيروقراطية الأوروبية في الحكم والإدارة، من دون تطبيق النظرية العلمانية في شقها الداعي إلي فصل "الدين" عن "السياسة"، لذلك ابتدعوا لهذا الكائن المشوه مفهوما جديدا يزاوج بين الدين والسياسة عن طريق اختزال مفهوم الأمة الإسلامية في الشعب الوطني، وتحويل الإسلام من دين للعالمين كما أراده الله تعالى، إلى دين خاص بجماعة المواطنين المحليين كما رسمته النخب بتواطؤ مكشوف مع حراس العقيدة، نزولا عند رغبة الساسة وخدمة لمقتضيات السياسة. وبذلك، أصبح لنا دولة لاهوتية تحتكر الخطاب الديني، وعلمانية تطبق المبادئ الغربية في الإدارة. وأصبحنا نتحدث عن إسلام المغرب، وإسلام تركيا، وإسلام السعودية، وإسلام إيران، وإسلام أندونيسيا، وإسلاف أفغانستان... إلى آخر النماذج المعروفة للجميع، فلم يعد المسلم العادي يعرف أيهم يمثل نموذج الإسلام الصحيح.

وإذا أضفنا كلمة "قومية" إلى كلمة "دولة"، نحصل على تركيب مشوه آخر تحت عنوان: "الدولة القومية". وهو مفهوم مبتدع كذلك، ابتكره الحكام والنخب لخلق نوع من الهوية التاريخية والعرقية والثقافية الخاصة التي تميز الهوية الوطنية القطرية عن الهوية الدينية الإسلامية المتمثلة في الإرث الحضاري التقليدي الراسخ في الوعي الفردي والجمعي للأمة، والذي يشكل استمراره وإحيائه تحديا دائما وخطيرا للهوية الوطنية الناشئة ونفيا لمشروعيتها. لذلك، نجد أن كل قطر اجتهد في البحث عن قواسم مشتركة للمجتمع في الأصول التاريخية ما قبل الإسلامية للثقافة المحلية، مثل الحضارة الفرعونية، والمكون الكردي، والثقافة الأمازيغية وغيرها من الظواهر والرموز الفلكلورية التي لا تستطيع أن تجيب على أسئلة العصر الكبرى، خاصة في مجال الإنتاج والعلوم والتكنولوجيا... أو أن تنتج بمكوناتها المحلية حضارة إنسانية كبرى. ولقد تحمس لهذا النوع من المسعى، العلمانيون والحداثيون المتأثرون بمدارس الفكر الغربي باعتباره مدخلا لمحاولة فك الإرتباط النظري القائم بين الدين والدولة، والتصدي للهيمنة القومية العربية، والهيمنة السياسية العثمانية، والهيمنة الروحية والأخلاقية للهوية الإسلامية الجامعة، ونقصد هنا هوية الأمة باختلاف مكوناتها لا هوية الدولة. وبهذا المعني برزت الدولة القومية القطرية كبديل عن فكرة الأمة الإسلامية التي أنشأها الرسول (ص)، وكإطار للفكرة الوطنية الجديدة التي تتناقض مع مفهوم القومية العربية الذي يقوم على وحدة اللغة أو الوحدة الإسلامية في بعدها الإيديولوجي والمذهبي المعقد والمركب. لذلك، اعتبر التركيز على البعد التاريخي والثقافي للهوية القومية، يظهر وكأنه محاولة للتخلص من البعد القومي العربي و البعد الإسلامي، تنفيذا للمشروع الاستعماري التاريخي الذي كان يسعى دائما لإضعاف العرب والمسلمين عن طريق تقسيمهم، والتلاعب بمصيرهم تمهيدا للقضاء عليهم كأمة وكحضارة، خوفا من انبعاثهم من جديد، وهو نفس المشروع الذي أعيد إحيائه اليوم من جديد في العراق والسودان ومصر وسوريا ولبنان والسعودية والمغرب العربي، عن طريق اللعب على أوتار الحساسيات القومية والنعرات العرقية. وهذه الخلاصة هي الجواب على السؤال المتعلق بجذور الأزمة الذي طرحناه في البداية، لأن أزمة الهوية التي يعيشها المسلمون اليوم هي نتاج طبيعي لحجم العداء التاريخي الديني والإيديولوجي والثقافي القائم لديهم تجاه الغرب. ويمكن القول، أن عدم معالجة جذور وتداعيات هذه الإشكالية هو السبب الحقيقي في تخلفنا عن ركب الحضارة لنعود كما كنا "خير أمة أخرجت للناس"، وليس خير دولة لاهوتية وضعها الحكام، وفرق المعنى بين الأمة والدولة واضح وضوح الشمس.

أما إذا أضفنا كلمة "مدنية" إلى كلمة "دولة"، فسنحصل على مصطلح جديد متناسق المبنى والمعني تحت عنوان "الدولة المدنية". ذلك أن مفهوم المدنية هو من أرقى ما ابتدعته الحضارة الإنسانية في مجال الإجتماع السياسي. لأنه وبخلاف بقية المفاهيم التي تنطلق من فكرة فلسفية طوباوية أو إيديولوجية لبناء نوع من الإجتماع السياسي، تنطلق فكرة "المدنية" من الإنسان نفسه كمحور أساس، باعتباره كائنا أولا سابقا للاجتماع و السياسة، أي سابق لفكرة الوطنية والقومية وغيرها من المفاهيم المبتدعة. والمدنية بالمفهوم السياسي الحديث هي صيغة مبتكرة للإدارة الشأن العام بشكل ديموقراطي حقيقي، وتعتبر أرقى تعبير عن إرادة الناس بمفهوم الشورى القرآني كما سبق وشرحناه في مقالتنا "الدين في خدمة السياسة". أي أنها منظومة كاملة ومتكاملة من النظم العقلية والروحية والأخلاقية والفنية المترابطة التي تستطيع أن تنتج حلولا شاملة لمشاكل الحياة الإجتماعية المختلفة والمتعددة. ذلك أنها تمثل البنى العميقة الكلية التي يندرج تحتها تنوع لا متناه من الأداء المميز وأشكال التعبير الحر، وفق تعبير برهان غليون. وبذلك، تشكل المدنية الوعاء الطبيعي الأمثل الذي يستوعب جميع مكونات المجتمع باختلاف أعراقها، ومعتقداتها، ومشاربها الفكرية والثقافية، في إطار من الاحترام والتعايش السلمي، والتضامن البناء، والتعاون المنتج، في جو من الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الإجتماعية، وفي مناخ حقيقي من المنافسة الشريفة. هذا الكلام يعني باختصار، أن المدنية هي كذلك عين الديموقراطية بالمفهوم السياسي الحديث. ولهذا نجد شباب 20 فبراير بوعيه الخاص والمتميز عن وعي النخب، اعتنق هذا المفهوم وطالب بتطبيقه، ووافقه عليه اليسار، واعتنقته جماعة العدل والإحسان في مراجعة شجاعة وجريئة لمفهومها القديم حول طبيعة الدولة. أما ما سواها من مفاهيم، فلا تعدو أن تكون مجرد أطروحات إيديولوجية وسياسوية منمقة بمساحيق تجميلية لتضليل الناس، وخداعهم، وذر الرماد في عيونهم، وزرع الجهل في عقولهم، وبث الخوف في قلوبهم، واليأس في أحلامهم، بهدف استعبادهم وسرقة جهدهم ومقدراتهم. فالدولة المدنية تعني في ما تعنيه، أن المجتمع الذي هو سيد نفسه، له وحده الحق في اختيار نموذج الدولة الحديثة الذي يريده، وصاحب المشروعية الحصرية في إعتماد المؤسسات التي يتبناها لدولته، وصاحب الصلاحية في تحديد أدواتها و وظائفها وشروط عملها.. وأي تطاول علي هذا الحق، يعد من قبيل فرض الوصاية المرفوضة دينيا وسياسيا علي المجتمع، بهدف تدجينه وسرقة أحلامه ومقدراته. فالقول مثلا أن المغرب "دولة مدنية" يعني، أنها ليست دولة دينية تيوقراطية مستبدة، لما لكلمة تيوقراطية من مفهوم كنسي سلبي في العقل الحداثي، كما أنها ليست دولة علمانية تناهض الدين وتقصيه من واقع حياة المؤمنين، لما لكلمة "علمانية" من حمولة عدائية في الوعي التقليدي، وليست دولة قومية لما لهذا المصطلح من حمولة عنصرية، بل هي دولة جامعة لكل مكوناتها، غنية بتنوعها واختلاف مشاربها وثقافاتها، منتجة للحضارة في إطار من الاحترام، والتعايش، والتضامن، والمساواة، والمنافسة الشريفة.

على ضوء ما سلف، يمكن قياس بقية التراكيب المفاهيمية المرتبطة بطبيعة نظام الحكم وفق ما ورد في مشروع الدستور، بعد أن لجأ النظام إلى توظيف مصطلحات في غير سياقها من قبيل: (نظام دستوري، ديموقراطي، برلماني، اجتماعي...). والفرق بين "الملك" و "رئيس الدولة" ومعني الجمع بينهما الذي يحيلنا إلى نوع من "الملكية الجمهورية" عكس "الجمهورية الملكية" بالوراثة كما عرفت في سوريا مثلا.. مما يحول الحاكم في المغرب من ملك مستبد إلى ملك بسلطات مطلقة ورئيس ديكتاتور بامتياز. وإشكالية اختزال كل السلط في يد الحاكم الأسمى دون أن يكون خاضعا للمسائلة والمحاسبة. ومعني أن يفوض الديكتاتور بعضا من صلاحياته المحدودة لرئيس الحكومة. وهو الموضوع الذي سنتناوله في مقالة أخري بحول الله، إلى جانب إشكالية موقع الدين ومكانة اللغة في الدولة المدنية، من دون أن نضطر هذه المرة لاستعمال الكلمات المتقاطعة في تفكيك المصطلحات وتحليلها لإعادة بناء معانيها من جديد.

وكل دستور وأنتم بخير...

[b][b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://youngimmigrants.blogspot.com/
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

ثـــــــــورة المفاهيـــــــــم :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

ثـــــــــورة المفاهيـــــــــم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صرخة الشعب المغربي :: ساحة التدوين والمقالات :: مدونوا ثورة المغرب-
انتقل الى: